الريسوني و الأنصاري وجها لوجه
كتبهامحمد عدراوي ، في 18 يونيو 2007 الساعة: 17:23 م
بقلم : مصطفى بوكرن
بعد رحلة ليست بالقصيرة في ميدان التأليف في نقد العمل الإسلامي المعاصر ، يرسو قلم الدكتور فريد الأنصاري مدونا آخر ورقاته النقدية للحركة الإسلامية بالمغرب كاشفا على حد تعبيره "العقارب الخضراء" التي نخرت هذه الحركة من الداخل و الإيقاع بها في أولويات لا تحصد منها إلا " الفشل " متناسية أولويات أخرى تتأسس على "البيان القرآني و ميراث النبوة " ، كتاب الأخطاء الستة للحركة الإسلامية بالمغرب أثار زوبعة من النقاشات الحادة و الجدالات المتعصبة كادت أن تحجب الفكرة النبيلة التي يبشر بها الأنصاري في أطروحته من خلال كتبه السابقة ، لعل " الحقائق التاريخية و المقولات النقدية " التي يبوح بها الكاتب في كتابه و بأسلوب " الكشف " و الفضح الذي ينهجه هو السبب في كل القيل و القال و كثرة السؤال ، بل لعل العقرب الخضراء المرسومة على كتابه كانت الأبلغ في إرسال رسالة الكتاب ، مما جعل كل ناظر له يتقزز و ينفعل لمجرد النظرة الأولى دون أن يتصفح الكتاب ، فكانت للصورة رسالة أخرى ربما تؤثر على مشروعه و أطروحته بالكامل ..
أطروحته لها قصة طويلة ، تخلقت في رحم المعاناة الدعوية ، فأنجبت طفلا اسمه توحيد المحبة لله ، هيئ له الأنصاري بيتا اسمه من القرآن إلى العمران ، فهو لا زال يرعاه رعاية قوية ممزوجة بالمكابدة و المشقة لطول المسير و الطريق ، يحكي الأنصاري – في كتاب جمالية الدين معراج القلب إلى برزخ الروح - عن تجربته التدينية عبر ثلاث مراحل ، مرحلة التنشئة الإسلامية التقليدية ، حيث كان فيها ينظر إلى كلمة "لا إله إلا الله " أنها مجرد "عنوان للدخول للإسلام "، لكنه في المرحلة الثانية تطورت نظرته إلى " لا إله إلا لله " و ذلك من خلال تنشئته في أحضان الحركة الإسلامية المعاصرة ، والتي أعطته جرعة أخرى جوهرها ، أن " لا إله إلا الله منهج حياة و أن الحاكمية لله" ، هذه النظرة التي التبست بنوع من التفكير السياسي المحض ، جعلته يعيش "مع الناس أكثر من عيشه مع الله " ، و كانت النتيجة أن الأنصاري بدأ يلاحظ "أن معه على الجبهة الواحدة ، من كان يخطب الليل كاملا و لا يصلي لله فريضة واحدة في وقتها " ، هذا الوضع الذي وسمه الأنصاري" بالتدين المختل " جعله يبحث عن قلبه و يفتش عن حقيقة المحبة لله و عن جمال التدين و حلاوة الإيمان فوجدها في المرحلة الثالثة مرحلة مجالسته لأحد شيوخه الذين نبهوه إلى أن الأصل اللغوي لكلمة الإله راجع إلى معنى قلبي وجداني عميق فكانت له "المفاجأة الحقيقية " ..
بعد هذا وقف الأنصاري مناديا في جيل الصحوة و أبناء الحركة الإسلامية ، أن استجيبوا إلى نداء توحيد المحبة لله فهو الأصل و ما توحيد الحاكمية إلا في حكم الفرع ، فبتوحيد المحبة لله ستضمحل جميع الآفات التربية و الوجدانية ، فكرس قلمه منافحا عن أطروحته في كتابه "البيان الدعوي و ظاهرة التضخم السياسي" ، و سلاحه في دعم أفكاره و تدقيقاته العلمية القرآن الكريم و ميراث النبوة ، و بعض التجارب المعاصرة الناضجة في العمل الإسلامي كتجربة جماعة النور في تركيا ، و التي بصمت بأصابعها العشرة بصمات واضحة في تأملاته و مراجعاته ، فكان بديع زمان النورسي بميراثه القرآني في رسائل النور خير تركة يتتلمذ عليها و يرتشف ماءها الزلال من حياضها الفسيحة ، كما أن الدكتور نادى " بالتنظيم الفطري" و انتقد "التنظيم الميكانيكي" التي تأثرت به الحركة الإسلامية المعاصرة من خلال تجارب الأحزاب غير الإسلامية في الوطن العربي و في الغرب، فكان نقده هذا عنوانه الكبير من الحركة الإسلامية إلى حركة الإسلام مبينا أن الإسلام لا تحتضنه حركة إسلامية بل الأمة هي حاضنه ، الشيء الذي سيدفعه إلى القول " بتأميم الدعوة " وعدم حصرها في بعض أفراد المجتمع المنتمي إلى الحركة الإسلامية ..
فجاءت أطروحته بعد تجربة تأملية و وجدانية و علمية ، موسومة " بالبعثة الرسالية القرآنية " و لسانها الناطق بها مجلة رسالة القرآن و التي يشرف على إصدارها كل دورة فصلية..
إن كتاب الأخطاء الستة للحركة الإسلامية بالمغرب ، ما هو إلا نقطة في مشروع كبير ، و الجديد فيه إفصاحه عن معطيات داخلية ترتبط بالخصوص بتجربة حركة التوحيد و الإصلاح و حزب العدالة و التنيمة المغربيين بلغة لا مجاز فيها ، فكان لهذا الأثر الكبير على أبناء حركة التوحيد و الإصلاح دون غيرهم من الفصائل كالعدل و الإحسان ، الذي انتقدهم غير ما مرة ، بل خص كتابا بكامله " للتربية الوسيطة " التي تنهجها الحركة الإسلامية المعاصرة ، و انتقد بشدة التصوف المنحرف الذي تقتدي به بعض الحركات الإسلامية في تربيتها الداخلية فكانت تنبيهاته تومئ إلى العدل و الإحسان دون أن يعين الاسم ، إلا أن الأنصاري فاجأ أبناء حركة التوحيد و الإصلاح من خلال كتابه "الأخطاء الستة.. " ، فكانوا أكثر القراء له و اكثرهم تفاعلا و نقدا ..
و في هذا النقاش الحاد الذي أثاره الكتاب سيظهر على مسرح الأحداث ، الدكتور أحمد الريسوني بكل ثقله الحركي و العلمي ، ليناقش الأنصاري في حلقات عبر جريدة التجديد مبينا "الأغاليط و المغالطات " على حد تعبيره التي يحويها الكتاب ، بل منافحا ضد النفس " العدائي" الذي يسري في رئة الكتاب كما يؤكد ..، هذا الظهور للريسوني سيعطي للنقاش الدائر طعما خاصا ، فكل من كان يناقش أعلن اعتزاله ساحة النقاش و الجدال و دخل في فترة استراحة إلى أن يطلق العالم المقاصدي نبال النقد من المملكة العربية السعودية حيث يقيم ، سيخوض أحد مؤسسي الحركة الإسلامية بالمغرب هذه المواجهة على صفحات جريدة التجديد المغربية ، فيكون وجها لوجه مع الأنصاري معقبا و مناقشا..
فهل سيفوت العالم المقاصدي الفرصة على "استئصاليي" المغرب بمناقشته للتحديات التي تواجه الحركة الإسلامية المعاصرة وسبل التفكير في مواجهتها دون أن يسقط في الرد على حكايات الكتاب و جزئياته ؟
و إلى أي مدى سيكون لأطروحة الأنصاري بكاملها حضورا في تعقيبه دون أن يبتسرها مركزا على كتاب الأخطاء الستة ؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج































