تحت عنوان "نفسية الهلاك والإهلاك" : الريسوني يرد على "الأخطاء الستة''
كتبهامحمد عدراوي ، في 18 يونيو 2007 الساعة: 23:44 م
تحت عنوان "نفسية الهلاك والإهلاك"
الريسوني يرد على "الأخطاء الستة”
عبدلاوي لخلافة/ إسلام أون لاين.نت *المغرب
انتدبت حركة التوحيد والإصلاح الدكتور أحمد الريسوني، الرئيس السابق للحركة، للرد على الدكتور فريد الأنصاري، حول كتابه الجديد "الأخطاء الستة للحركة الإسلامية بالمغرب ".
وجاء تكليف الريسوني بالرد على الأنصاري درءا لكل توقع يؤثر على الخطوات التي راكمها حزب العدالة والتنمية، الحليف الاستراتيجي للحركة، مع اقتراب الانتخابات التشريعية بالمغرب.
رب ضارة نافعة
وفي الحلقة الأولى، التي نشرها موقع الحركة على الإنترنت، تحت عنوان: "نفسية الهلاك والإهلاك"، أبعد الريسوني عن تلميذه، وأحد من شاركوا معه حدث الوحدة الاندماجية بين رابطة المستقبل الإسلامي والإصلاح والتجديد سنة 1996، تهمة التآمر على الحركة الإسلامية لسابق معرفته به، وقال: " لو لم أكن أعرف المؤلف لما استطعت نفي الهدف الانتقامي التدميري للكتاب. فالكتاب الأخير الذي أصدره أخونا الدكتور فريد الأنصاري بعنوان (الأخطاء الستة للحركة الإسلامية بالمغرب …)، يصدق فيه القول: "رُبَّ ضارةٍ نافعة"، وأظن أن له فوائد متعددة، منها تأكيد بعض الأمور الصحيحة، التي ما فتئ أهل الدعوة والحركة ينبهون عليها ويعملون على أخذها بعين الاعتبار، ومنها أنه يستفز لمزيد من التأمل والتقويم للمسارات الدعوية وأحوالها، ومنها أنه كشف عن نمط من التفكير والتقدير، جدير بأن تعرف أسبابه وظروف تشكله، وأخذ العبرة في ذلك .
ولذلك، يتابع الريسوني: "وجدت بعد قراءة الكتاب أنه لا بد لي من أداء شهادتي والتعبير عن رأيي، في عدد من الأمور التي تضمنها الكتاب، خاصة منها ذات العيار الثقيل، التي لا يجوز السكوت عنها".
ويأتي هذا المنهج العلمي في استيعاب الرأي المخالف، رغم ما أكده الريسوني في مستهل الحلقة الأولى، التي عرض فيها نماذج من المبالغات التي غفل عنها المؤلف: "من ذلك ما تضمنه الكتاب من أحكام ماحقة لا تبقي ولا تذر، فيها من المبالغات والتعميمات ما لا ينتهي منه العجب والتحير"، داعيا فريد الأنصاري إلى "إعادة النظر والتدقيق، في هذه النماذج، ليبين لنا الفرق بين الافتراء، والمبالغة في المبالغة".
فهو أهلكهم !
وبعد استشهاد الدكتور الريسوني بحديث: "من قال هلك الناس فهو أهلكهم" وشرحه، لم يفته الإشارة إلى حقيقة يغفل عنها الكثيرون في نقد العمل الإسلامي أو تقبله، قائلاً: "وكثيرا ما كان بعض الإخوان يصفون شدة النقد الذاتي وقساوته والمبالغة فيه، بأنه الجلد الذاتي وليس النقد الذاتي. هذا مع العلم أن النقد المعني هنا كان يوجه إلى أشياء محددة، أو إلى أشخاص معينين في أدائهم لبعض مسئولياتهم، فهو نقد محدود وليس حكما بالعدم أو الإعدام".
ولأجل ذلك فالريسوني لا يرى أن تُلقَى طروحات الكتاب جانبا، بل إنه ينتظر المشروع الإصلاحي الذي يبشر به صاحب الكتاب، برز هذا في قوله: "حينما قرأت في مقدمة الأستاذ فريد قوله: "فهذه رسالة في نقد العمل الإسلامي بالمغرب، وليس في نقضه"، سررت بهذا الكلام المطََمْئن، وبعد ما قرأت الكتاب قلت: فعلاً الكتاب لا يمكن أن يكون في نقض العمل الإسلامي، لأنه قد حكم عليه بالموت والهلاك والبوار، والمنقوض لا ينقض. فلم يبق إلا أن ننتظر البدء بعمل جديد، وبمنهج فريد، عجل الله ظهوره، وعسى أن أدركه فأنصره بما أستطيع".
الأنصاري يرد
وفي تصريح خاص لشبكة "إسلام أون لاين.نت" بخصوص رد الريسوني على كتابه الجديد، قال فريد الأنصاري: "الكتاب تلقاه الكثير من الإخوان بحفاوة، كما أثار غضب بعض الإخوة مع الأسف في الحركة، وكان الأولى التعامل معه بقبول ما فيه من الحق، والضرب بعرض الحائط بما فيه من الباطل، وعدم الدخول في التشنيع بصاحبه والتأويل لنيته. وأما أستاذي الدكتور أحمد الريسوني حفظه الله، فهو من أحب الإخوة إلى قلبي، ومثله لو ضربني على خدي الأيسر لأدرت له خدي الأيمن! فهو رجل عالم وصادق. ولكن ربما فهم عني غير ما قصدت، فقد يكون له من الرد ما لم أعنه بكتابي، هذا شيء طبيعي، فجزاه الله خيرا على كل حال".
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
































يونيو 25th, 2007 at 25 يونيو 2007 4:38 ص
الرد الكامل على أحمد الريسوني حول الأخطاء الستة:
قبل الخطأ السابع..!
رسالة مفتوحة إلى الدكتور أحمد الريسوني
يكتبها: فريد الأنصاري
بسم الله، توكلتُ على الله، ولا حولَ ولا قوةَ إلا بالله! اللَّهُمَّ إني أعوذُ بكَ أن أَضِلَّ أو أُضَلَّ، وأعوذُ بكَ أنْ أَزِلَّ أو أُزَلَّ، وأعوذُ بكَ أنْ أَظلِم أو أُظلَم، وأعوذُ بكَ أنْ أَجْهَلَ أو يُجْهَلَ عليَّ، وأعوذُ بكَ أنْ أبْغِيَ أو ُيبْغَى عِليَّ! وأعوذ بكَ من كل بَلِيَّةٍ أو فِتْنَةٍ، ظاهرةٍ أو باطنةٍ، مُقْبِلَةٍ أو مُدْبِرَةٍ!
اللَّهُمَّ إني أعوذُ بكَ من الهمِّ والْحَزَنِ، و أعوذ بكَ من العجز والكسلِ، وأعوذ بك من الجبنِ والبخلِ، وأعوذُ بكَ من غَلَبَةِ الدَّيْنِ وقَهْرِ الرِّجَال!
وبعد،
سيدي أحمد الريسوني:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
عندما طلع الإعلان بجريدة “التجديد” منذرا برد فضيلتكم عليَّ، اتصل بي كثير من الإخوة، وحدثوني متشائمين من طريقة عرض الإعلان بأعلى صفحة الجريدة، وبالصيغة التي دبجتها فضيلتكم. فقلتُ لهم بالحرف الواحد: “اطمئنوا! فإن الأستاذ الريسوني لن يقول إلا خيراً”. وقرأت الإعلان بما وصمتم به الكتاب من أنه: (مشحون بالأغلاط والمغالطات)! ثم قلت: مهما يكن نقده قاسيا فلن يخلو من فائدة.
ولكن - مع الأسف – ما أن تتابعتْ مقالاتُكم حتى بدا أنها على غير ما توقعتُ تماما من توازنكم وإنصافكم! وخاب ظني!.. ما كنت أظن أن الغضب سيغلق عليكم كل منفذ إلى نقد الكتاب بموضوعية! لقد كان الأسلوب الغاضب الساخط الذي صببتم فيه مقالاتكم قد غلف الحقيقة الكامنة فيه حتى ما صرت أستطيع - لا أنا ولا غيري - أن نفرق بين ما هو نصح مقصود أو عيب مردود، وبين ما هو سَوْرَةٌ غضبية!
لقد كانت الحلقة الأولى - على ما فيها من تقصيد لفريد الأنصاري غير مقصود - أقرب إلى الاعتدال، ولكن ما أن أطلت الحلقة الثانية حتى انجرف الغضب بالحقيقة إلى متاهات الدخان! وصار الرد يمتطي أفراساً جامحة، كما في قول فضيلتكم: ((ويمضي العاشق الولهان في موشحاته إلى أن يستفيق على هول الكارثة المباغتة…))(الحلقة الثانية). إلى السخرية والتعريض بي في أمور النسب والقبيلة!(ح:2) إلى أن تصفوا كتابي بعد ذلك ب: (نظرية العقارب والثعالب)(ح:3)، ثم تخرجون قضاياه عن سياقها النقدي التصحيحي؛ فتصفونها – تهويلا منكم وتضخيما - بأنها اتهام للإخوان (بالعمالة للشيطان!)(ح: 4). وأنه قائم (على مجرد سوء الظن بالمؤمنين والإذاية لهم!)(ح: 4) وأنه أمر: (خطير وخبيث)!(ح: 4) حتى يبلغ بكم الغضبُ سَوْرَتَهُ فَتَسِمُونَ كلامي بالوَلْغِ! فتقول في الحلقة الرابعة: ((لَقَدْ وَلَغْتَ وأوغلتَ كثيراً…)) (كذا!!). والوَلْغُ أو الوُلُوغُ – لمن لا يعرفه - إنما هو شرب الكلب ولعقه! نعم أعزكم الله! والحديث فيه مشهور معروف! ومضت مقالاتكم حتى الحلقة الأخيرة محملة بعبارات الغضب اللاهب، وكثير من اللمز الظاهر، والخفي الذي لا يخفى على اللبيب؛ بما جعلني - شهد الله - غير قادر على معرفة مواطن الخطأ من كتابي! وقد كنتُ حريصا على معرفتها منك أنت شخصيا!
وفي غمرة ذلك توهمتم أن الكتاب هو (محاولة تحطيم الناس بالاتهامات والشبهات!)(ح: 4)؛ فوقعتم – مع الأسف – فيما توهمتموه، وجاءت مقالاتكم رد فعل للتحطيم والاتهام! دون أدنى مناقشة للقضايا الجوهرية في الكتاب!
كيف؟ وها أنا ذا أقرأ نفيك - بغير برهان - لكل ما تم نقده بإطلاق، اللهم إلا برهان (التحيطم والاتهام)! ثم دفعي – بعد ذلك - دفعا لأصنَّفَ ضمن طائفة التكفيريين والخوارج! في الوقت الذي أقرأ فيه منحك صكوك الغفران لأصحابك! فتقول في الحلقة الثانية: ((وإذا صح هذا ولن يصح، فهؤلاء يمكن أن يقال لهم: اعملوا ما شئتم فقد غُفر لكم!))(الحلقة الثانية) فأي ميزان هذا وأي إنصاف؟
مع أن نقدي لم يمس شخصا بعينه، ولا اسما بشخصه، وإنما كان نقدا لمنهج معين في العمل، ولمدرسة خاصة في الحركة! لقد اتفق كثير من الناس، ومن محبيك – ومنهم طائفة من أبناء الحركة نفسها - على طغيان الغضب على ردك، والانفعال الشديد في مقالاتك؛ مما أدى إلى عدم توازنها! وإغراقها في مناقشة الأشكال دون المضامين!
بل هي عقلية ومنهج!
سيدي أحمد الريسوني!
لقد كان كتاب “الأخطاء الستة” صرخة ألم من جرح عميق تمادى أمدُه! جرح لا يرجع – شهد الله - إلى ضرر لحق بشخصي كما أظنك تعلم، وإنما هو جرح غاص بتجربتي المريرة في “حركة التوحيد والإصلاح” طيلة السنوات التي عرفت! لقد بنينا الآمال العريضة على التجربة، وشيدنا حصونا من خيال ظنناه صادقا، حتى صدمتنا الحقيقة المرة بعد سنوات من الجهد المتواصل، فأدركنا أخيرا أنه كان مجرد حلم كاذب! ولن أكرر ما قلته في الكتاب من حقائق. وإنما أذكر لك في رسالتي هذه أننا عشنا – نحن أبناء الرابطة كفكر وتوجه - كالأضياف غير المرغوب فيهم! وأدركنا أنه علينا أن نقاتل، وأن نناور من أجل البقاء كفكر وكتوجه! ولكننا لم نستطع؛ لأن ذلك شيء لم نتعلمه في مجالسنا التربوية من قبل!
وأنا هنا – كما في كتاب “الأخطاء الستة” – لا أتهم أبناء (حاتم) جملة وتفصيلا، كلاَّ وحاشا! وقد ذكرتُ بالنص في الكتاب: ((حركة الإصلاح والتجديد” (حاتم)، وهي الوريثة الكبرى لحركة “الشبيبة الإسلامية”. والحقيقة أنها بذلت مجهودا كبيرا في التخلص من الآثار السلبية الكثيرة التي خلفتها حركة الشبيبة على العمل الإسلامي بالمغرب، وقطعت أشواطا ومخاضات شتى من أجل تحسين تصوراتها وآلياتها (…) وأسست منهجا أقرب إلى التوازن والاعتدال في إصدار مواقفها السياسية.))(ص: 84) وقلت على هامش ذلك: ((ليس المقصود أن كل أعضاء الشبيبة الإسلامية كانوا على الصفة المطيعية، كلا! بل كان منهم إسلاميون حقيقيون وربانيون صادقون. والتعبير في بداية الفقرة السابقة أعلاه واضح بتخصيص البعض دون الكل))(ص:84)، نعم هكذا بالنص! ثم قلت عن (حاتم) مرة أخرى: ((فقد وجدنا في الحركة مجاهدين مخلصين، وقياديين صالحين – كما بيناه في المتن - ليس في المجال الدعوي فحسب؛ بل حتى في المجال السياسي. وإنني أحترم اجتهاداتهم مهما حصل من خلاف.))(ص: 96). وفي سياق تقديمنا للكتاب قلنا عن مجمل الحركة الإسلامية: ((وما يزال كثير من العاملين في صفوفها من الصالحين المتقين، بل ربما وجدتَ منهم أحيانا بعض الأولياء الربانيين الحقيقيين!))(ص: 12). فلماذا لم يُنتبه إلى هذه التزكيات الواضحة الصريحة؟ أم أنَّ المشكل كما قال الشاعر:
وَعَيْنُ الرِّضَا عَنْ كُلِّ عَيْبٍ كَلِيلَةٌ *** ولكِنَّ عَيْنَ السُّخْطِ تُبْدِي الْمَسَاوِيَا!
لم تكن مشكلتنا مع حركة “حاتم” قط، وإنما كانت مع عقلية معينة، ومع تيار معين فيها، له أسلوب في العمل لا يقره خُلُقٌ ولا دين! وكانت له السيطرة – مع ذلك - على كل شيء مع الأسف! وقد كان المستضعفون الصالحون من أبناء حركة (حاتم) قَبْلَنَا ضحايا لهذه العقلية المتجبرة. ولقد عاينتُ أن سر سيطرتها على أصحابها إنما كان راجعا إلى هذا الأسلوب!
لقد كانت أفكارنا تواجَهُ بالغمز وباللمز أحيانا، وبالسخرية الصارخة الصريحة أحيانا أخرى! وبألفاظ رديئة سوقية! ما زالت بوائقها تصخ في أذني! ولذلك فكم كنا نشعر آنئذ بالانهيار! لقد واجهنا منهجا عجيبا غريبا في الحوار ومدافعة الأفكار: هو منهج تحطيم المعنويات من أجل الانتصار! دون مناقشة حقيقية لما عُرِضَ من قضايا وأفكار!
وفي جعبتي من النوازل التي لا تزال كلماتها وصورها راسخة في ذاكرتي، من لقاءات المكتب التنفيذي، إلى مجلس الشورى، إلى الجموع العامة، ما أعتذر عن تفصيله لارتباطه بأشخاصه! نعم، ونحن نظن أننا ندبر أمر الدعوة إلى الله! وهذه ليست قصة نوازل عابرات، ولا زلات جزئيات، ولكنه منهج ثابت مستقر، مشهور معروف مستفيض لدى أصحابه!
لقد عاينتُ أسلوب المخادعة والكذب القراح الصراح! في تجربة الإشراف على القطاع الطلابي، حيث كنا نعقد الأمر في مقر الحركة، ونتفق عليه ثم تجري الأمور بعد ذلك على عكس المتفق عليه تماماً! نضبط على الأوراق بوصلة الاتجاه، وتجري الممارسة في الواقع نحو اتجاه آخر! ثم تدون التقارير مزورة كاذبة على أننا فعلنا وفعلنا، والحقيقة الشاهدة في الواقع على عكس الشهادة المدونة تماماً! وأبناء الحركة يعرفون أن هذه الآفة ليست حكرا على قطاع بعينه، بل هي ممتدة إلى بعض مواقع القطاع العام نفسه.
وإن كنت أنسى فلن أنسى أبداً حواراً طلابيا، كُلِّفْتُ بالإشراف عليه مع بعض الجماعات الأخرى، كم مرة أخجلني فريقي الطلابي مع الفريق الآخر ورموزه! نتفق على الشيء جميعا ثم أجد فريقي في اللقاء المقبل قد بدل وغيَّر، دون علمي ولا حتى إخباري! فأجدني باقيا على ما اتفقنا عليه مع “الطرف الآخر”، وأجد فريقي قد نقض كل شيء! واختلق لنا رواية جديدة لما تم إبرامه وعقده! وقد علق مسؤول “الطرف الآخر” – وهو الآن حي يرزق – على الاضطراب الحاصل بيني وبين أصحابي بقوله: (واضح أن الأمر يتعلق بعقلية معينة يبدو أنها ما تزال مسيطرة!) ويفشل الحوار مع الجماعة الأخرى!
ثم أكتشف - بعد ذلك - أن إخوتي قد كانوا يعقدون لقاءات أخرى عند شخص قيادي آخر من حركتنا، فيتم ترتيب الأمور على غير المتفق عليه! ثم يقال لي بعد ذلك: (إن الأنصاري يريد أن يُدخل علينا منهج الدعوة؛ إذا أراد هذا فليذهب إلى جماعة التبليغ!) وعندها قدمت استقالتي للمكتب التنفيذي – ولعلك تذكر – من مسؤولية الإشراف الطلابي!
وعندما دافعتُ على أحد إخواننا الفقهاء بالمكتب التنفيذي في غيبته انتفض ضدي أحدهم فقال لي بالحرف: (لاَ رأي للفقهاء هنا! الرأي إنما هو للسياسيين!)
وعندما شكونا انكماش إخواننا من (الرابطة سابقا) – كما كنا نحب أن نصفهم آنئذ - وعدم حصول الاندماج النفسي داخل الوحدة؛ للأسباب المذكورة وغيرها، رد عليَّ أحدهم بكلمات ما تزال تجرح مسامعي إلى الآن! فقال لي بلسان دارج: (سيدورون في الماكينة! فمن دار دار، وإلا لفظته الماكينة!) وهناك أيقنت أن الوحدة فاشلة لا محالة، ما دامت القصة هي قصة ماكينة! ونحن ببساطة ما جئنا إلى الوحدة لندور في الماكينة! ولكننا جئنا لنصنع تكاملا دعويا بتجارب مختلفة!
ثم عشنا غربة روحية ونفسية داخل الحركة (الموحدة)! ولم نستطع التكيف مع رموز المناورة، فالمقرات مقراتهم، والولاء ولاؤهم! والأتباع جنودهم! ولا شيء يكون إلا بإذنهم!
يا سيدي أحمد! إذا لم تجد أنت ذلك فنحن قد وجدناه! وإذا لم تره أنت فنحن قد عشناه وكابدناه! فأرجوك لا تصادر أحزاننا بغضبك الرهيب! فإذا لم تدعنا نتكلم فدعنا على الأقل نتألم!
يا سيدي أحمد! بعيني رأيت الصراع على المواقع والمسؤوليات على الصعيدين: الوطني والجهوي، بما أدخلنا غير ما مرة في حمى شديدة من الاتهام والاتهام المضاد! في مهزلة ما كنا نسميه ظلما وعدوانا (بالجرح والتعديل!).. ورأيت الأنانيات المقيتة تقاتل بضراوة! والاستعراض السافر للعضلات على الإخوان والأخوات! كل ذلك على الصعيد الوطني والجهوي سواء! ورأيت الكبرياء الشديد يطأ شعور البسطاء منا في صلف عنيد! فإذا كنتَ أنت - يا سيدي - تطيق ذلك كله بما آتاك الله من (تقريب وتغليب) فهينئا لك! أما نحن فلم نطق من ذلك شيئا، ولم نَسْطِعْ هضمَه ولا قبوله سلوكا بين الإخوان! لبناء حركة الإيمان!
ورأيت بعيني - ما بين الحركة والحزب - من يؤصل لفقه الانحراف في الأخلاق والسلوك! ويتحدث – من أجل ذلك - عن مبدأ (فتح الذرائع) وهو أمي في علوم الشريعة! جاهل بأصولها وفروعها! فَيُوَطِّنُ الإخوانَ والأخوات على لين الدين وضعفه في أخلاقهم وصلواتهم، بأحكام (شرعية) ما أنزل الله بها من سلطان! وصنعوا بذلك مدرسة وتيارا على الصعيد الوطني! ووالله لقد فتحوها فتحا؛ فدخل علينا الفساد من كل باب!
وإني لأذكر الصراع الذي دار في المكتب التنفيذي بين بعض القيادات السياسية، وبين بعض القيادات الجامعة ما بين الحركة والحزب – ولم أكن طرفا فيه والحمد لله – وحصل تنابز وصل – بالنسبة لي - إلى حد لا يطاق! فكان ذلك لي دمارا نفسيا وانهياراً! وكان من حالي ما الله به عليم، فلم أستطع النطق بكلمة! كان المشهد أشد من أن أتحمله! وكنت أرى الوحدة آنئذ تنهار بين يدي! وبعد جهد جهيد علقتُ بجملة واحدة، فقلتُ: (إنني أشكو إلى الله من يسعى لتدمير هذه الوحدة التي أعطيناها جهدنا صادقين!) لقد صبرتُ - يا سيدي - زمنا ليس باليسير، وحاولتُ الإصلاح من الداخل لكن دون جدوى! وراهنتُ على حُلم، لكنني خسرت الرهان في نهاية المطاف!
ثم تصنفني بعد ذلك مع الهالكين المهلكين، وتتكرم على أصحابك بمقام (أهل بدر)! فتقول لهم: (اعملوا ما شئتم فقد غفر لكم!) ألا هكذا يكون العدل والإنصاف وإلا فلا!
وإذ أنني لم أنقطع عن التدريس، ولا عن زيارة المواقع الجاميعة هنا وهناك، ولا عن ملابسة قضايا العمل الإسلامي على مستوى القواعد في المجتمع؛ فإنني أعاين مدى الانحراف الرهيب الذي آل إليه الوضع التربوي للحركة، والانجراف الحاصل نحو السقوط الأخلاقي؛ بسبب طغيان السياسي، والإلقاء بالبرامج التربوية في رفوف النسيان! فلو تفقدتَ يا سيدي المواقع هنا وهناك - بشرط ألا تعتمد تقارير جاهزة ومنمقة - لرأيتَ بعينك مستوى ما صرنا إليه فيما بيننا من الغش والتزوير، والحلف على الكذب، والسب واللعن – وبأقذع العبارات أحيانا - للإخوان فيما بينهم! في سياق الصراع الداخلي الجاري الآن – وقبل الآن - من أجل لوائح انتخابية ومناصب مرتقبة! نعم، نحن الذين نقدم للناس منتوج “الأمانة”! إن هذا الأمر قد تواتر واستفاض بيننا! وكثير من الإخوان يعرفون جيدا أنَّ مَا أجملتُه الآن - وفي الكتاب – إجمالاً له تفصيلات! وقد وقع العتب عليَّ شديداً لَمَّا أبديتُ منه – في سياق النصح والمراجعة - إشارات؛ بسبب إشفاقهم من ظروف الانتخابات، التي ضخَّمها بعضُ أحبتنا حتى كادوا أن يلحقوها بـ(الأشهر الْحُرُمِ)!
فهلا كلفت نفسك - يا سيدي - زيارة مواقع هؤلاء الذين: ((نعدهم مجاهدين في سبيل الله، ونعرفهم رُكَّعاً وسجودا)) كما وصفتهم في الحلقة الرابعة من مقالاتك؟ أم أن العلم قد سبق عندك بالبرءاة التامة والغفران الشامل: أنِ (اعملوا ما شئتم فقد غُفِرَ لكم!)؟ ألا كذلك يكون التوجيه التربوي وإلا فلا!
يا سيدي أحمد.. إن ثمة انحرافا خطيراً في صلب المنهج! انحرافا يستحق وقفة حقيقية للمساءلة والمراجعة! وقفة أقل ما نستفيد منها أن نعرف هذا الأنصاري إذا كان قد جُنَّ فكتب ما كتب؛ فسنتمكن من معرفة السبب؛ عسى ألا يبتلي الله الحركة بمثله في مسقبل الأيام!
والعجيب أن هذا الذي عيب عليَّ من الاتهام أمر تعترف به الورقات الرسمية للحركة اعترافا! ففي نص (الرؤية التربوية) المنشور أخيرا، جاء تحت عنوان: ((الواقع التربوي للحركة)) ذِكْرٌ لمجموعة من الإيجابيات التي أعرف أن بعضها حبر على ورق! وذكر مجموعة من السلبيات التي أرجو أن تقارنها مع مقام (المجاهدين السُّجَّدِ الرُّكَّعِ) - كما زعمتم - وهو النص التالي:
- ((رصد مجموعة من الآفات التربوية، وعجز الحملات التربوية عن إزالتها، مثل التهاون في حضور الصلاة في المسجد، والقيام لصلاة الصبح بانتظام، وعدم استثمار الأوقات، وإهمال الأسرة، وترك الدعوة، وعدم احترام المواعيد))!
- ((تراجع في مستوى الجندية والتضحية، وإسراف في ممارسة الحرية على حساب الوفاء بالالتزامات، والقيام بالمسؤوليات، وأداء الواجبات والتكليفات))!
- ((ضعف التحصيل العلمي وفقدان صفة طلب العلم، وتراجع أو توقف الكثيرين عن النظر في كتب العلم أو تنمية الزاد العلمي))!
- ((عدم انتظام كل أبناء الحركة في الأنشطة التربوية؛ لانقطاع عدد منهم عن البرامج التربوية، أو تعثرهم في ذلك))!
- ((تنامي الاهتمامات الدنيوية والمعاشية، وطغيان الميول الاستهلاكية!))(الرؤية التربوية ص:9). فنسأل الله أن يستر عيوبنا ويصلح أحوالنا أجمعين.
ثم تقول لي بعد ذلك يا سيدي: إنني أتهم النيات! بما فَصَّلْتَ في الحلقة الخامسة من: (لـمز المؤلف للمؤمنين في إيمانهم، والطعن عليهم في دينهم)! إنها يا سيدي ليست قضية نيات بل هي قضية عقليات! إن الأمر مع الأسف أكبر من ذلك! إنه (فقه) معين في العمل الإسلامي! تواتر وترسخ لدى أصحابه حتى صار قواعد وأصولا! وإنك إذْ قَاتَلْتَ بمرارة من أجل إقناع الناس بأن الأنصاري يتهم النيات، ويطعن على (المجاهدين) في دينهم، إنما تريد مني أن أقبل ما تدعيه أمريكا كلما قصفتْ أحياء المدنيين في البلاد الإسلامية، من أنه كان مجرد (خطأ)! فلا نكاد نخرج من محاولة استيعاب الخطأ الأول، حتى تكون قد أدخلتنا في سلسلة من الأخطاء، وأغرقتنا في بحر من الدماء! إنه يا سيدي منهج معين، وتصور معين! فإلى متى ونحن نحمي الانحراف في الصف الإسلامي!؟
وأرجو ألا تصفني هذه المرة بأنني أُشَبِّهُ الإخوان بالأمريكان! فما عبته عليَّ من الاستشهاد أو التضمين والاقتباس للآيات الواردة في بني إسرائيل أو الكفار والمنافقين – وقد جعلتَ منه قضية كبرى – إنما هو تعبير أصيل في البلاغة العربية، وأسلوب مطرد في التراث التربوي الإسلامي؛ لبيان طبيعة الأمراض والأدواء، أو المنـزلقات المنهجية على سبيل التمثيل والبيان، ولا علاقة لذلك بمنهج استنباط الأحكام الشرعية، الذي حاولتَ - بكل إصرار - أن تجعلني أبوء بإثمه! سامحك الله!
فاقرأ إن شئت كتب علماء الأمة الأقدمين، كيف اقتبسوا من آيات بني إسرائيل، وسائر الكفار والمنافقين، في سياق علاج الأمراض القلبية لهذا الأمة الكثير الكثير! ودونك مؤلفات أبي حامد الغزالي، وابن الجوزي، وابن القيم، وغيرهم. ولماذا نذهب بعيدا؟ أليس في الأحاديث الصحاح أن المسلم قد يصاب بما يصاب به المنافق، أو الكافر، من أمراض خلقية وسلوكية؟ ففي المتفق عليه ما ورد عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا، وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْ نِفَاقٍ حَتَّى يَدَعَهَا! إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ!)) وفي سنن الترمذي بسند صحيح عَنْ أَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثِيِّ رضي الله عنه: ((أَنَّهُمْ خَرَجُوا عَنْ مَكَّةَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى حُنَيْنٍ، قَالَ: وَكَانَ لِلْكُفَّارِ سِدْرَةٌ يَعْكُفُونَ عِنْدَهَا وَيُعَلِّقُونَ بِهَا أَسْلِحَتَهُمْ يُقَالُ لَهَا “ذَاتُ أَنْوَاطٍ”، قَالَ: فَمَرَرْنَا بِسِدْرَةٍ خَضْرَاءَ عَظِيمَةٍ، قَالَ: فَقُلْنَا: “يَا رَسُولَ اللَّهِ اجْعَلْ لَنَا ذَاتَ أَنْوَاطٍ!” فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “قُلْتُمْ - وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ - كَمَا قَالَ قَوْمُ مُوسَى: (اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمُ آلِهَةً قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ!) إِنَّهَا لَسُنَنٌ! لَتَرْكَبُنَّ سنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ سُنَّةً سُنَّةً!)). ولا أحد من أهل العلم قال إن محمدا – صلى الله عليه وسلم – قد كَفَّرَ بذلك أصحابَه!
وفي الصحيحين: عَنْ أَبِي سَعِيدٍ رَضِي اللَّه عَنْه أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ قَبْلَكُمْ شِبْرًا بِشِبْرٍ، وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ؛ حَتَّى لَوْ سَلَكُوا جُحْرَ ضَبٍّ لَسَلَكْتُمُوهُ! قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى؟ قَالَ: فَمَنْ؟))
وشهد الله أننا ما قصدنا ولا حتى هذا! وإنما هو تنبيه على منهج! وإنَّ التحزب في المجال الدعوي – كما أراه إذا سمحتم يا سيدي أن يكون لي رأيٌ – ضرب من اتباع سَنن الآخرين! تلك هي قصة ما أوردناه من آية الأعراف: (قَالُواْ يَا مُوسَى اجْعَل لَّنَا إِلَـهاً كَمَا لَهُمُ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ!) وعلى ذلك يجري كل ما أوردنا من أمثالها من تمثيلات أو تضمينات أو اقتباسات، ولا حاجة للتهويل والتطويل!
لازم المذهب ليس بمذهب
ثم تصر يا سيدي على أن تلزمني بما لم ألتزم به! بتتميم الآيات التي لم أتمها قصدا؛ إصرارا من فضيلتكم على إيقاعي في (لازم المذهب) كما يقول علماء الجدل والمناظرة! والقاعدة عندهم أن: (لازم المذهب ليس بمذهب!) ولو حاكمتك بلازم المذهب كما حاكمتني لقلتُ: إنك جعلتني من الخوارج – في سياق نقدي للحركة - بسبب خروجي من “الحركة”! وأنا أعلم أنك لا تقصده، ولكن من يضمن لي عدم استغلال ذلك من لدن الحزبيين المتعصبين؟ فيحكمون عليَّ وعلى أمثالي بتلك التهمة! ثم يلحقونني بعد ذلك - بسبب تحاملك الشديد عليَّ - “بالتكفيريين”! وأقول لك: لقد حصل بالفعل! وقيل ما قيل!
يا سيدي أحمد! إنني إذا ضمنت تعبيري معنى قوله تعالى: (ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى) فلا حق لك في تكميل ما لم أقصد إليه قط! ولا حق لك في الإتيان بسوابقها ولواحقها! من قوله تعالى: (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُواْ إِلَى الصَّلاَةِ قَامُواْ كُسَالَى يُرَاؤُونَ النَّاسَ وَلاَ يَذْكُرُونَ اللّهَ إِلاَّ قَلِيلاً. مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لاَ إِلَى هَـؤُلاء وَلاَ إِلَى هَـؤُلاء وَمَن يُضْلِلِ اللّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً!)(النساء: 143). بل كان عليك أن تحللها في السياق التربوي الذي ضمنتها إياه. ومعلوم أن جزءا من هذا قد يكون في المسلم وقد يقع فيه، ولا يخرجه ذلك إلى حد النفاق العَقَدِي! كما هو مقرر في عقيدة أهل السنة بإجماع العلماء. بل الشرك نفسه قد صح فيه الحديث أنه قد يقع فيه المؤمن ولا يخرجه عن حد الإيمان! وفي حديث أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((”يا أبا بكر! للَشِّرْكُ فيكم أخفى من دبيب النمل!” فقال أبو بكر: وهل الشرك إلا من جعل مع الله إلها آخر؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم: “والذي نفسي بيده! للَشِّرْكُ أخفى من دبيب النمل! ألا أدلك على شيء إذا قلتَه ذهب عنك قليلُه وكثيرُه؟ قال قل: “اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم، وأستغفرك لما لا أعلم!)) رواه البخاري في الأدب المفرد وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير.
وما ذكرنا نحن في كتابنا غير لفظ (الشرك الخفي)